أبي منصور الماتريدي

40

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

يحتمل : أنهم كانوا مؤمنين من قبل فكذبوا الآيات ، فكفروا بها ، فحبطت الأعمال التي كانت لهم في حال الإيمان ، وبطلت . ويحتمل : حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ : المعروف الذي كانوا يفعلون « 1 » في حال الكفر ؛ من نحو صلة الرحم ، والصدقات وغيره من المعروف ، والخيرات التي عملوا بها ، حبط ثواب ذلك كله إذا لم يأتوا بالإيمان . وقوله - عزّ وجل - : هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ . أي : ما يجزون إلا ما كانوا يعملون من الاستهزاء بالآيات والاستخفاف . قوله تعالى : [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 148 إلى 153 ] وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوارٌ أَ لَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وَكانُوا ظالِمِينَ ( 148 ) وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا وَيَغْفِرْ لَنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ ( 149 ) وَلَمَّا رَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَ عَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْواحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ( 150 ) قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ( 151 ) إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ ( 152 ) وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِها وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ( 153 ) وقوله - عزّ وجل - : وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَداً . قوله : وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى كيفية وصف اتخاذ العجل ما ذكر في سورة طه بقوله : فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَداً لَهُ خُوارٌ فَقالُوا هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى فَنَسِيَ . . . [ طه : 88 ] الآية ، وصف الله - تعالى - قوم موسى بعضهم بالهداية ، والعدالة ، واتباع الحق بقوله : وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ [ الأعراف : 159 ] ، وبعضهم وصفهم بالسفاهة ، وقلة الفهم والضعف في الدين بقولهم : اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ [ الأعراف : 138 ] ، وقال : هاهنا : اتخذوا العجل إلها عبدوه ، يذكر « 2 » هذا - والله أعلم - لما لم يعرفوا نعم الله ولم يتفكروا في آياته وحججه ، يذكر هذا لنا لننظر في آياته وحججه والتفكر في نعمه ، فنؤدي « 3 » شكرها ، ونتدبر « 4 » في آياته وحججه لنتبعها ولا نضيعها على

--> ( 1 ) في أ : يعملون . ( 2 ) في أ : بذكر . ( 3 ) في أ : فيؤدي . ( 4 ) في أ : ويتدبر .